ماتوا بلا وطن وبلا عنوان ...
آخر تحديث : 2013-05-16 07:05:23               عدد القراء : 4485

                ماتوا بلا وطن وبلا عنوان ...

بقلم: أحمد النبريص

حدثتني جدتي يوم كنت طفلاً: كان جدك في موطنه الأصلي "نجد" من كبار الملاكين، قبل أن يُجبر على الرحيل عن أرضه، وبهذا كانت مأساته أكبر، ولم يستوعب عقله هذا النزوح المأساوي لم يستوعب الفاجعة.

وبالتالي كان دائم الاحتفاظ بمفتاح بيته القديم في "نجد" وكان بالغ الاهتمام بالأوراق والمستندات الرسمية، التي تثبت ملكيتهُ الشرعية للأرض، كان شديد الحرص على أوراق "الطابو"،  وكانت بالنسبة له ثمينة كالروح وربما أثمن.

ومن هنا كان اعتقاده الراسخ بأنهم جميعا سيعودون إلى نجد إن لم يكن اليوم، ففي الغد القريب، وإن لم يكن هذا ولا ذاك، ففي يومها، المهم أنه والجميع سيعودون إلى نجد مهما طال الزمن.

هكذا كان يفكر جدي، كان على قناعة تامة تصل إلى حد "اليقين المطلق" بأنهم سيعودون قريباً.

ومع مرور الأيام والسنوات، أخذ هذا اليقين المطلق يتراجع بل يتلاشى، أمام مستجدات الواقع وتعقد الظروف، إلى أن تحول إلى مجرد امنية عاجزة بائسة، تثير الحسرة والإحباط أكثر مما تثير الأمل والتفاؤل.

وحتى هذه الأمنية، لم يكن من الممكن الاستمرار في التعلق بها، فقد أجبرته الظروف، وتنامي قوة اسرائيل يوماً عن يوم وبالمقابل العكس تماماً، حيث الأنظمة العربية في تواطؤ صريح، أجبرته على أن يفرغ قلبه من كل الأحلام والأوهام "ما جعله يصاب بمرض جسدي عُضال"، ناتج عن وقوعه في حالة إحباط نفسي طاحن وأزمة نفسية مريرة، مما أودي به في نهاية المطاف إلى القبر.

كان ذلك في منتصف عام 1964، حيث كان أبي طفلاً لم يبلغ الخامسة من العمر، بينما كانت جدتي لا تزال في عمر الربيع.

 

حتى إنني أذكر أن والدي قال لي يوماً "أنه لا يستطيع ان يستذكر أو يستحضر ملامح والده"، فلقد حاول مراراً أن يستحضر صورة وجه والده بعملية ذهنية مكثفة، ولكن دون جدوى، لتبقى صورة جدي في ذاكرة أبي عبثية وهلامية غير محددة الملامح.

 

رفضت جدتي الزواج من بعد رحيل جدي وقررت أن تربي الأبناء، وعاشت بعدها زمن طويل لم يحمل سوى المعاناة والحسرة، إلى أن أصابها المرض فبدأت صحتها تتدهور وتتدهور، حتى أنتهى بها الحال هي الأخرى إلى القبر.

 

رحلت، لن أنساها ولن أنسى عيناها المطفأتان ويداها الواهنتان، أستذكرها جيداً، وكأن صورتها قد طُبعت على جدران ذاكرتي، كانت دائما لا تتكلم لا تتأوه ولا تتألم، تتمسك بحبال الصبر وتنتظر أفول العمر

مات أجدادي

ماتوا دون تحقق أي رجاء، ماتوا بالصبر وبالفقر، ماتوا وماتت معهم الأحلام في زمن الضعف والفقر المشؤوم.

 

الحزن الشرس، الإحباط، والمرض ...

 

ثلاثة أشياء قتلوهم دون هوادة، ثلاثة أشياء قتلوها بالمجان، ثلاثة أشياء.

 

إنتهى ...

احفظ هذا الموضوع في المفضلة طباعة هذا الموضوع أرسل لصديق
اضف تعليق
دفتر الزوار
2013-05-19 11:36:40
1 ) سلام / غزة
صدقاً انها لقصة حزينة ومؤسفة ,, كوننا فلسطينيون ومحال علينا أن نسترد ما أُخذ منا كوننا في سبات عميق كما والعرب أجمعين ؟؟؟؟؟؟!

أسعار العملات

العملة
سعر الشراء
سعر البيع
الدولار الامريكي
3.53
3.51
الدينار الاردني
4.97
4.95
اليورو الاوروبي
4.10
4.08
الجنيه المصري
0.20
0.19

 

احصائيات الموقع

عدد الزوار

204569

  • الزائرين لهذا اليوم: 11
  • الزائرين هذا الشهر: 426
  • الزائرين لهذه السنة: 10541
شركة نبراس للاعلام وتكنولوجيا المعلومات
Content